وبديهي أننا لا نسوق هذه الحكاية حملاً منا إياها على محمل التصديق التام. فيد الصناعة فيها، وفي غيرها من شبيهاتها، ظاهرة. ولكنها إن لم تكن صادقة في الواقعة التي ترويها، فهي صادقة في الواقع الذي تحيل إليه. ذلك أنه ما كان لنار النزعة الإثنية(32) الفارسية أن تخمد تحت رماد الإسلام. فالإسلام الذي حُمل إلى أعاجم البلدان المفتوحة، وفي مقدمتهم الفرس، كان إسلامَ قرآنٍ لا يد لهم فيه، وما أُنْزل أصلاً برسمهم. وبالمقابل، إن الإسلام الذي أعادوا تصديره إلى فاتحهم كان إسلامَ سنَّةٍ كانت لهم اليد الطولى في إنتاجه، وهو الإنتاج الذي استطاعوا أن يؤسسوا أنفسهم من خلال إتقان صناعته- كما سيتضح لنا في الفصول التالية- في طبقة متفقّهة عاتية النفوذ حَبَتْ نفسها ، عن طريق التطوير المتضافر للمدونة الحديثية وللمدونة الفقهية ، وبالتالي للمؤسسة الإفتائية ، بسلطة تشريعية لم يقرّ بها القرآن للرسول نفسه. وعلى هذا النحو تكون تكون قد نصّبت نفسها وسيطة بين الله وبين المؤمنين في كل ما جلّ ودقّ من شؤون حياتهم الدينية والدنيوية معاً ، مع أن أهم ما ميّز الإسلام القرآني عن غيره من الديانات المؤسسة لنفسها في بنىً كهنوتية وتراتبيات كنسية هو إلغاؤه لهذه الوساطة وتأسيسه للعلاقة بين الله والمؤمن في تواصلية مباشرة ليس فيها بين الله كمخاطِب والمؤمن كمخاطَب سوى وسيط واحد هو الرسول بوصفه ، حصرا ، مبلِّغ الخطاب من مرسِله الإلهي إلى متلقِّيه البشري.
وبديهي أيضاً أننا إذ نقول هذا القول لا ننكر كل مساهمة على اليد العربية. فالحجازيون، ولا سيما منهم أهل المدينة، ممثلين بمن عمَّر منهم أو بمن أورثوه ذاكرتهم التاريخية من أبنائهم وأحفادهم، وبمن فيهم أيضاً أولئك الذين تفرقوا في الآفاق، وفي مقدمتهم الأوس والخزرج الذين قدمت الفتوحاتُ للمسلمين بزمام السلطة من المهاجرين الفرصةَ لتشتيتهم في الأمصار تحت لواء الجهاد، هؤلاء الحجازيون العرب كانوا موضوع طلب شديد من قبل الرحَّالة في طلب «العلم» من أبناء البلدان المفتوحة. وقد أسهموا، بما رووه أو بما رُوي أنهم رووه، بدور لا مماراة فيه في بناء عمارة السنَّة، وهي، كما سيتقدم البيان، عمارة متعددة الطوابق، كل طابق منها يعلو الذي تحته ويفوقه من حيث المساحة – أي من حيث عدد الأحاديث – ضعفاً وضعفين وثلاثة أو حتى أربعة أضعاف، وفقاً لمبدأ التراكم، أي هنا البناء فوق البناء(33).
وبديهي أيضاً، وأخيراً، أن سيرورة تأسيس السنَّة هذه، التي تطاولت في الزمن على مدى قرون ثلاثة على الأقل، لا تقبل انفصالاً عن سيرورة نشوء الفقه وتطوره فروعاً في بادئ الأمر، ثم أصولاً. فالفقه ناب في الحضارة الإسلامية كما هو معلوم مناب القانون في الحضارة الرومانية. وفي إمبراطورية مترامية الأطراف ومتعددة الأقوام والإثنيات، كإمبراطورية الفتوحات العربية الإسلامية، ما كان للذخيرة المحدودة العدد للغاية من الأحكام القرآنية أن تفي بكل متطلبات التشريع القانوني في مواجهة المستجدات من النوازل. ومن هنا كان من المحتم أن تتراكم، بل أن تتضخم المدونة الحديثة، وأن تُخلع على السنَّة أهليّة تشريعية تضاهي تلك التي للقرآن، هذا إن لم تقدم عليها تبعاً لصيغة الشاطبي الآنف بيانها والتي لم تكن من ابتكاره – وهو الشديد التأخر في الزمن – بقدر ما كانت تعبيراً عن تحصيل حاصل يمكن استقراؤه، كما سيأتي البيان، من اجتهادات أئمة المذاهب الفقهية الخمسة(34).
والحال أيضاً أن الموالي ، أي الأرقاء المعتوقين من الأعاجم وأحفادهم ، كانوا هم أيضاً وراء تطوير صناعة الفقه مثلما كانوا وراء تطوير صناعة الحديث.فاثنان من مؤسسي المذاهب الأربعة كانا في الأصل من الموالي ، وهما أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس(35) .كما أن هناك روايات تشير إلى أن إمام المذهب الخامس، أي ابن حزم ، كان من أصل فارسي .
وعلى أي حال ،إ ن الشهادة التي تركها لنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 ه) ،حفيد مولى عمر بن الخطاب ، ناطقة بما فيه الكفاية : "لما مات العبادلة ، عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر ، صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي، فكان فقيه مكة عطاء بن أبي رباح ،وفقيه اليمن طاووس ، وفقيه أهل اليمامة يحيى بن كثير ، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم (= النخعي) ، وفقيه أهل الشام مكحول ،وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني ، إلا المدينة ، فإن الله خصّها بقرشي ، فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع " (36).
ومن الممكن القول على سبيل الختام إن تسييد السنَّة قد تلاقت فيه مصالح الأوتوقراطية العربية الفاتحة ومصالح النخب والشرائح المثقفة من شعوب البلدان المفتوحة. فالأوتوقراطية ترقى إلى أعلى نصاب لها من المشروعية متى كانت في الوقت نفسه، وبالقدر نفسه، ثيوقراطية. وهذه الحاكمية الإلهية تجد تتمتها الطبيعية في المحكومية الإلهية. فبالإحالة إلى مصدر إلهي للتشريع تنتفي الحدود، أو تكاد ، بين النخب الحاكمة والنخب المحكومة لتتحول العلاقة بين الطرفين إلى شراكة، إن لم يكن بالاسم فعلى صعيد الأمر الواقع(37). ومن هنا فرض نفسه تطويرُ سنَّة نبوية إلهية المصدر لا يكون فيها «فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى». فليس أرضى لكبرياء المحكومين – إن كان لا يزال لاسم المفعول هذا من معنى – من أن يكونوا محكومين بتشريع إلهي المصدر، ولا سيما إذا كانوا هم الشركاء الرئيسيين في تشريع هذا التشريع. وعلى هذا النحو فحسب نستطيع أن نفهم تلاقي المصالح بين نخب الفاتحين ونخب البلدان المفتوحة في تأميم الرسول العربي. فباستثناء الأقليات الدينية التي لم تتخلَّ عن دينها نظير سريان سوريا والعراق وأقباط مصر، فإن العلاقات داخل الإمبراطورية العربية الإسلامية لم تعد علاقات بين محتلٍّ ومحتلٍّ، كما الشأن في الإمبراطورية الرومانية مثلاً(38). فالإمبراطورية العربية الإسلامية ما عادت تحتاج إلى القوة العسكرية لتستمر في الوجود، بل صارت تتولد ذاتياً إن جاز التعبير إلى حدّ أن الاجتياح المغولي نفسه، على قوته التدميرية الهائلة، انتهى إلى الاندماج بها بدلاً من استئصالها. وذلك هو الفارق الكبير في المصير التاريخي بينها وبين الإمبراطورية الرومانية ذات التشريع الوضعي التي تلاشت من الوجود مع تلاشي قوتها العسكرية واجتياحها من قبل فرع آخر من فروع المغول: قبائل الهون.
ولكن ما ربحه الوجود العربي الإسلامي على صعيد الاستمرارية التاريخية – رغم الفاصل الطويل الذي مثلته الخلافة العثمانية – خسره على صعيد الانقطاعية الحضارية. فلئن يكون التشريع الإسلامي، الذي عزا إلى نفسه من خلال السنَّة المنسوبة إلى النبي مصدراً إلهياً قد صان ذلك الوجود وحفظه، فإنه بالمقابل قد شلّه عن التطور بقدر ما جمّده في وضعية ثابتة ومكرِّرة لنفسها وعابرة لشروط الزمان والمكان. فتشريع كهذا ما كان له إلا أن يكون حاكماً على التاريخ بدلاً من أن يكون – كما في مثال التشريع الوضعي – محكوماً به . والخروج من حكم التاريخ هو بمثابة خروج من التاريخ نفسه. وربما تكون تلك هي كبرى مفارقات إسلام التاريخ: نسبته نفسه على منوال إسلام الرسالة، إلى مصدر إلهي قد قضى عليه أن يكون إسلاماً لاتاريخياً. وهذه اللاتاريخية كانت ولا تزال هي النسغ المغذّي للممانعة العربية، على صعيد العقليات والبنى الاجتماعية على الأقل، لآمر الحداثة.
المصدر: موقع الآوان على الرابط التالي
http://www.alawan.org/%D9%85%D9%86-%...%90%D9%8A.html